العلامة المجلسي
354
بحار الأنوار
مجرى المضار التي لا يختص إطلاق ذكرها بجهة دون جهة ، ولهذا يقال للظالم المبتدي بالظلم : إنه معذب ومضر ومولم ، وربما قيل : معاقب على سبيل المجاز ، وليس لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب ، لان لفظة العقاب يقتضي بظاهرها الجزاء ، لأنها من التعقيب والمعاقبة ، ولفظة العذاب ليست كذلك ، فأما إضافته ذلك إلى الشيطان وإنما ابتلاه الله تعالى به فله وجه صحيح ، لأنه لم يضف المرض والسقم إلى الشيطان وإنما أضاف إليه ما كان يستضر من وسوسته ويتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم والعافية والرخاء ، ودعائه له إلى التضجر والتبرم ( 1 ) بما هو عليه ، ولأنه كان أيضا يوسوس إلى قومه بأن يستفذروه ويتجنبوه لما كان عليه من الأمراض البشعة المنظر ويخرجوه من بينهم ، وكل هذا ضرر من جهة اللعين إبليس . وقد روي أن زوجته عليه السلام كانت تخدم الناس في منازلهم وتصير إليه بما يأكله ويشربه وكان الشيطان يلقي إليهم أن داءه يعدي ، ويحسن إليهم تجنب خدمة زوجته من حيث كانت تباشر قروحه وتمس جسده ، وهذه مضار لا شبهة فيها ، فأما قوله تعالى في سورة الأنبياء : " وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين " فلا ظاهر لها أيضا يقتضي ما ذكروه ، لان الضر هو الضرر الذي قد يكون محنة كما يكون عقوبة فأما ما روي في هذا الباب عن جملة المفسرين فمما لا يلتفت إلى مثله ، لان هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربهم تعالى وإلى رسله عليهم السلام كل قبيح ، ويقرفونهم ( 2 ) بكل عظيم ، وفي روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمله المتأمل علم أنه موضوع باطل مصنوع ، لأنهم رووا أن الله تعالى سلط إبليس على مال أيوب عليه السلام وغنمه وأهله ، فلما أهلكهم ودمر عليهم ورأي صبره وتماسكه قال إبليس لربه : يا رب إن أيوب قد علم أنه ستخلف له ماله وولده فسلطني على جسده ، فقال : قد سلطتك على جسده إلا قلبه وبصره ، قال : فأتاه فنفخه من لدن قرنه إلى قدمه فصار قرحة واحدة ، فقذف على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين و
--> ( 1 ) التبرم : التضجر . ( 2 ) أقرفه : ذكره بسوء .